محمد بن جرير الطبري
335
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقال آخرون : معناه : " ذلك " معلومٌ لهم ، بأن الله نزل الكتاب بالحق ، لأنّا قد أخبرنا في الكتاب أنّ ذلك لهم ، والكتابُ حَق . كأن قائلي هذا القول كان تأويل الآية عندهم : ذلك العذاب = الذي قال الله تعالى ذكره ، فما أصبرهم عليه = معلومٌ أنه لهم . لأن الله قد أخبر في مواضع من تنزيله أن النار للكافرين ، وتنزيله حق ، فالخبر عن " ذلك " عندهم مُضمر . * * * وقال آخرون : معنى " ذلك " ، أن الله وصف أهل النار ، فقال : " فما أصبرهم على النار " ، ثم قال : هذا العذاب بكفرهم . و " هذا " هاهنا عندهم ، هي التي يجوز مكانها " ذلك " ، ( 1 ) كأنه قال : فعلنا ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به . قال : فيكون " ذلك " - إذا كان ذلك معناه - نصبًا ، ويكون رفعًا بالباء . * * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بتأويل الآية عندي : أن الله تعالى ذكره أشار بقوله : " ذلك " ، إلى جميع ما حواه قوله : " إنّ الذين يَكتمونَ مَا أنزلَ الله من الكتاب " ، إلى قوله : " ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق " ، من خبره عن أفعال أحبار اليهود ، وذكره ما أعد لهم تعالى ذكره من العقاب على ذلك ، فقال : هذا الذي فعلته هؤلاء الأحبارُ من اليهود = بكتمانهم الناسَ ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته مع علمهم به ، طلبًا منهم لعرَض من الدنيا خسيس - وبخلافهم أمري وطاعتي = وذلك - من تركي تطهيرَهم وتزكيتهم وتكليمهم ، وإعدادي لهم العذاب الأليم - بأني أنزلت كتابي بالحق ، فكفروا به واختلفوا فيه . فيكون في " ذلك " حينئذ وجهان من الإعراب : رفعٌ ونصب . والرفع ب " الباء " ، والنصب بمعنى : فعلت ذلك بأني أنزلت كتابي بالحق ، فكفروا به واختلفوا فيه . وترك ذكر " فكفروا به واختلفوا " ، اجتزاءً بدلالة ما ذكر من الكلام عليه . * * *
--> ( 1 ) انظر ما سلف 1 : 225 - 227 في بيان " ذلك " ، و " هذا " .